سيد محمد طنطاوي

262

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( والأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ) * أي : وكذلك الأقوام الآخرون الذين جاؤوا من بعد قوم نوح ، قد تحزبوا على أنبيائهم ، وأجمعوا على تكذيبهم ، كما فعل قوم عاد مع نبيهم هود ، وكما فعل قوم ثمود مع نبيهم صالح ، وكما فعل أهل مدين مع نبيهم شعيب . . فالضمير في قوله - تعالى - : * ( مِنْ بَعْدِهِمْ ) * يعود إلى قوم نوح . وأفردهم - سبحانه - بالذكر لأنهم أول قوم كذبوا رسولهم بعد أن مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما . ولم يزدهم دعاؤه لهم إلا عتوا ونفورا . وقوله - تعالى - : * ( وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوه وجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِه الْحَقَّ ) * بيان لما فعله هؤلاء الأقوام الظالمون مع أنبيائهم الذين جاؤوا لهدايتهم . . أي : أن هؤلاء الأقوام المجرمين ، لم يكنفوا بالتكذيب لأنبيائهم ، بل إن كل أمة منهم قد مكرت بنبيها ، وأرادت به السوء ، وحاولت أن تتمكن منه بالأسر أو بالقتل ، وجادلته بالجدال الباطل ، لتزيل به الحق الذي جاء به من عند ربه وتبطله . والتعبير بقوله : * ( لِيَأْخُذُوه ) * يشعر بأن هؤلاء المجرمين كانوا حريصين على التمكن من إيذاء نبيهم ومن الاعتداء عليه ، كما يحرص الشخص على أخذ عدوه وأسره ليفعل به ما يشاء . وقوله - تعالى - : * ( فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ) * بيان لما آل إليه مكرهم وجدالهم بالباطل . أي : هموا بما هموا ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، وحاولوا أن يجعلوا رسولهم بمنزلة الأسير فيهم . فكانت نتيجة كل ذلك أن أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، بأن دمرناهم تدميرا فكيف كان عقابي لهم ؟ لقد كان عقابا مدمرا ، جعلهم أثرا بعد عين ، وترك آثار مساكنهم تشهد بهلاكهم واستئصالهم . ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : * ( وكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ ) * . أي : وكما حقت كلمة ربك - أيها الرسول الكريم - ووجبت بإهلاك الأمم الماضية التي كذبت أنبياءها ، وجعلهم وقودا للنار ، فكذلك تكون سنتنا مع المكذبين لك من قومك ، إذا ما استمروا في تكذيبهم لك ، ولم يعودوا إلى طريق الحق . فالآيات الكريمة تسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم وتحذير لمشركي قريش من الاستمرار في غيهم . ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر رحمته بالمؤمنين ، وتكريمهم ، فذكر أن حملة عرشه